
بسم الله الرحمن الرحيم
إلام ننظر ؟ ولماذا نعمل ؟
لما جعل الله سبحانه وتعالى الدعوة إليه ، والعمل لنصرة دينه ، ركنا ركينا وفرضا أساسيا في عبادته ، أصبح مما يثلج صدري أن أرى شبابا مسلمين ، وفتيات مسلمات يحملون هم هذه الدعوة وهذه النصرة ، ويتخلقون بأخلاق عَزَّ أن توجد في هذا الزمان ، فيتميزون عن سائر الشباب والفتيات.
ولأن الابتلاء سنة الله في خلقه ، فقد ابتلى العمل الصالح ، البَيِّن الواضح الناصع ، بدخول بعض النقصان ، وبعض المشاعر والدوافع والنوازع عليه ، ولكنه – جَلَّ في عُلاه – تكرّم عليهم بأن أوجب على هؤلاء الداعين إليه ، العاملين في سبيله – وعلى العباد كلهم – التناصح فيما بينهم ، والتنبيه إلى ما من شأنه الانتقاص من قدر العمل.
ولعل أهم ما يجدر بالشاب المسلم – والفتاة المسلمة – إذا هو حرص على تطهير نِيَّته ، واكتمال أجره ، وحُسْن ثوابِه ، وبقاء أثر عمله في الآخرة أولا ثم في الدنيا إذا شاء الله ذلك ، أن يحرص على مصلحة المجموع ، وأن يدفع عن نفسه كل ذرة من الرغبة في إشباع حاجة فردية.
ومما قد يغفل عنه الشاب المسلم ، من هذه الرغبات المرفوضة ؛ رغبته في أن يحقق نجاحًا شخصيًا ، لا يحرص – عن غير قصدٍ – على مصلحة العمل عموما ، ولا يفيد في نهضة الجماعة ، ورغبته في أن ينتصر لفكرة استحسن رؤيتها ، وظن – بحسن نية – أن فائدتها للمجموع عظيمة ، وملأت عليه قلبه ، فَكَرِهَ أن يَرُدَّهُ عنها أحد.
ولست أعني أبدا التشكيك في النيات ، ولا أن يكون الشاب أنانيا متعصبا لذاته ، بل أقصد ما قد يلتبس عليه من أن يكون أسيرا لرأيه الخاص ، محكوما بخبراته المحدودة – وكلُّ الناس خبرتهم محدودة – يرى الأمر من منظور قاصر ، ولا يُشتَرط أن يكون فردا بذاته ، بل لعله فرد في مجموعة صغيرة تشاركه محدودية الخبرات ، وضيق الرؤية.
فحريٌّ بهذا الشاب المسلم الداعية ، أن يجعل هَمّه الأول ، نهوض المجموع العام ، والارتقاء بالعمل عموما ، وعلامة ذلك فيه أن يدعو الله أن يُجرِيَ الحقَ على ألسنة إخوانِه ، فهو مع إخلاصه في العمل والابتكار والإنتاج ، لا يتمنى أن يحوز فضلا ولا أن يُذكر بِوَسِيلةٍ عَمِلَها ، بل يدعو الله أن تتحقق الغاية ، ولو تحققت بغيره ، ولو كان الحق عند غيره.
وعلامته أيضا أن يوكل الأمر لأهل الخبرة فيه ، وأن يتقبل كلامهم ، ويتعلم منهم ، ويستوعب آراءهم ، فلا يمتلكَ الجرأةَ ليضطَلِعَ – بنفسه دون مشورةٍ أو قصد تَعَلُمٍ – بعمل لا علم له به ، يضيع به الوقت والمجهود وربما المال ، وهو يعلم أنه محاسَب إن ضيع وقته ومجهوده هو ، فكيف إن ضيع وقت غيره ومجهود غيره من العاملين في الدعوة ؟
وعلامته كذلك أن يهتم للعمل كله ، ويحرص على جودته كله ، وعلى ما يترتب عليه كله من أثر ، لا أن يهتم لما هو منوط به ، فيتمنى أن يبرع في جزئياته لينجح هو ، ولا يأبَهَ لباقي إخوانه ، ولا يأبه لباقي العمل ، ولا يأبه للأثر المترتب عليه.
إن الأخ المسلم – والأخت المسلمة – قد يتعصب لفكرة أو رأي ، وقصده لله – نحسبه كذلك – ونيته أن ينفع الدعوة والعمل الجماعي ، لكن الواقع – الذي يغفل عنه هو – أنه لا يَنزِلُ عن فكرته أو رأيه لأنهما وليدا خبرته الشخصية ، ومعرفته الشخصية ، وقد توجد فكرة أفضل أو رأي أفضل ، فيرفضهما جهلا منه بهما.
على الأخ المسلم أن يراجع نفسه ؛ أيجدُ في صدره ضيقا إذا فسد عمل المجموع كله وإنْ نجحت جزئيته أو جزئية مجموعته الصغيرة ؟ أم يُهَوِّنُ عليه نجاحُه الجزئي ذهابَ أثر المجموع ؟ وهل يصيبه الضيقُ إذا دعت الحاجة للاستغناء عن عمله ، ثم نجحَ المجموع ؟ وهل يحزن إن استُعِين بمن هو أكثر منه خبرة وعلما ؟
إنها ليست – أبدا – دعوةً لتركِ إبداء الرأي ، وتقديم الفكرة ، أو ترك تعليم النشء ، وترك نقل الخبرات ، والاستفادة من الخبرات الشخصية ، بل على العكس تماما ، هي دعوة لتعلم أفضل ، بعقل أكثر تقَبُلا ، وصدر أكثر رحابة ، يتنازل بأرِيحية عن إنفاذ ما يعرفه وما خَبِره عقله وجرَّبَته جوارحه ، في سبيل أن ينفَذَ الأفضلُ – ولو لم يكن كذلك من وجهة نظره – ويتمنى أن يرى الأحق والأصوب في موضع التنفيذ والتأثير أيا كان مصدره وأيا كانت كيفيته ، ويثقُ في إخوانه أن لهم نفس الرغبة ونفس الروح.
حينما يتحقق ذلك ، يكون الأخ المسلم قد وضع نفسه حقا على طريق التعلم السليم ، وعلى طريق الجندية الحقة التي تُخلِصُ – في سبيل الله – للعمل والأثر وحده ، دون دواخل شخصية – بريئة القصد – أو رغبات مرفوضة معطلة.
إن الذي يظن أنه يعرف كل شئ ، لا يظن أنه يحتاج شيئا ، فيبقى أسيرَ ما يعرف ، فإذا زاد ظنه بقلة علمه ، زاد تعلمه ، فإذا أوغل في العلم ، تيقن أنه لا يعلم شيئا ، وفتح عقله وقلبه للتعلم من الناس كلهم.
والله من وراء القصد












